يستيقظ المريض في منتصف الليل على ألمٍ مفاجئ وحادّ في إبهام القدم، يصبح المفصل أحمر اللون، متورّماً وساخناً، حتى إنّ ملامسة الغطاء وحدها تصبح لا تُحتمل. هذا المشهد المتكرّر هو الصورة الكلاسيكية لـنوبة النقرس الحادة. النقرس ليس مجرّد “ألم عابر”، بل مرض التهابي حقيقي يمكن السيطرة عليه بشكل ممتاز عند فهمه وعلاجه بطريقة صحيحة. في هذا المقال أشرح لكم بلغة بسيطة ما يحدث داخل المفصل، ولماذا، وكيف نتصرّف.
ما هو النقرس ودور حمض البول؟
النقرس مرض ينتج عن ارتفاع حمض البول (حمض اليوريك) في الدم لفترة طويلة. حمض البول مادة طبيعية تنتج عن تكسّر مركّبات تُسمّى البيورينات، الموجودة في بعض الأطعمة وفي خلايا الجسم نفسه.
عندما يرتفع تركيز حمض البول، تتشكّل بلورات دقيقة تشبه الإبر وتترسّب داخل المفاصل. الجسم يتعامل مع هذه البلورات كأنها “جسم غريب”، فيُطلق ردّ فعل التهابي عنيف، وهذا ما يفسّر الألم الشديد والاحمرار المفاجئ.
من المهم أن نعرف أنّ ارتفاع حمض البول لا يسبّب الأعراض دائماً؛ كثير من الناس لديهم حمض بول مرتفع دون نوبات. لكن مع الوقت، يزيد خطر النوبات وتكوّن ترسّبات مزمنة تُسمّى التوفات (Tophi).
كيف تبدو النوبة الحادة؟
تظهر النوبة عادةً بشكل مفاجئ، وغالباً ليلاً، ومن علاماتها:
- ألم شديد جداً يبلغ ذروته خلال ساعات قليلة.
- تورّم واحمرار وسخونة في المفصل المصاب.
- إصابة إبهام القدم في أغلب الحالات، لكنها قد تطال الكاحل أو الركبة أو الأصابع.
- حساسية مفرطة للمسّ.
أحياناً يصاحب النوبة شعور بالحمّى الخفيفة. التشخيص يعتمد على الفحص السريري، وتحليل حمض البول، وقد نلجأ في العيادة إلى التصوير بالصدى (الإيكوغرافي) الذي يساعد على كشف البلورات والترسّبات بدقة، حتى قبل ظهور المضاعفات.
العوامل الغذائية وعوامل الخطر
النظام الغذائي يلعب دوراً مهماً، لكنه ليس السبب الوحيد. من أبرز العوامل المؤثّرة:
- اللحوم الحمراء والأعضاء الداخلية (الكبد، الكلى).
- المأكولات البحرية الغنية بالبيورينات (السردين، الأنشوة، المحار).
- المشروبات الكحولية، وخاصة البيرة.
- المشروبات السكرية والعصائر الغنية بالفركتوز.
- زيادة الوزن، وبعض الأدوية مثل مدرّات البول.
- الجفاف والقصور الكلوي.
كما أنّ بعض الحالات مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري ترتبط بالنقرس، ولهذا ننظر دائماً إلى الصحة العامة وليس إلى المفصل وحده.
علاج النوبة الحادة
الهدف الأول هو تهدئة الالتهاب وتسكين الألم بسرعة. يعتمد العلاج، تحت إشراف الطبيب، على:
- مضادات الالتهاب غير الستيرويدية عند عدم وجود مانع.
- الكولشيسين، خاصة إذا بدأ مبكراً.
- الكورتيزون عن طريق الفم أو عبر الحقن الموجّه بالصدى داخل المفصل في حالات مختارة، ما يتيح دقة أكبر وتأثيراً موضعياً فعّالاً.
ننصح أثناء النوبة بـراحة المفصل، ووضع كمادات باردة، والإكثار من شرب الماء. من المهم جداً عدم بدء أدوية خفض حمض البول أثناء النوبة نفسها، لأنّ ذلك قد يزيد الأمور سوءاً.
العلاج الأساسي طويل الأمد
بعد تهدئة النوبة، يأتي الجزء الأهم: منع تكرارها. يقوم العلاج الأساسي على خفض حمض البول تدريجياً إلى مستوى آمن باستخدام أدوية مثل الألوبيورينول، مع متابعة منتظمة للتحاليل.
هذا العلاج غالباً طويل المدى، وأحياناً مدى الحياة، لأنّ التوقف العشوائي يعيد المشكلة. في العيادة نتابع التطوّر بالتحاليل والتصوير بالصدى، ونستعين عند الحاجة بـالعلاج الطبيعي لاستعادة حركة المفصل بعد النوبات المتكررة.
نصائح غذائية عملية
- اشربوا كمية كافية من الماء يومياً (ما لم يمنع الطبيب ذلك).
- قلّلوا اللحوم الحمراء والأعضاء الداخلية والمأكولات البحرية الغنية بالبيورينات.
- تجنّبوا المشروبات الكحولية والمشروبات السكرية.
- أعطوا الأولوية للخضروات والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان قليلة الدسم.
- حافظوا على وزن صحي وفقدان تدريجي للوزن دون حِميات قاسية.
- مارسوا نشاطاً بدنياً منتظماً ومعتدلاً.
متى تستشير؟
ننصح بحجز موعد في الحالات التالية:
- نوبة ألم مفصلية حادة مفاجئة، خاصة في إبهام القدم.
- تكرار النوبات رغم اتباع النصائح.
- ظهور كتل صلبة تحت الجلد (توفات).
- ارتفاع حمض البول في تحليل الدم حتى دون أعراض.
- وجود حمّى مع التهاب المفصل (لاستبعاد عدوى).
النقرس من الأمراض التي تستجيب بشكل ممتاز للعلاج المنتظم، والسيطرة عليه ممكنة تماماً بالمتابعة والصبر.
هذا المقال لأغراض إعلامية ولا يغني عن استشارة طبية. في حال استمرار الألم، احجز موعداً.