كثيراً ما تأتيني سيدات إلى العيادة بعد سن الخمسين قلقات من كسر مفاجئ في المعصم بعد سقطة بسيطة، أو من تقوّس تدريجي في الظهر صاحَبه نقص في الطول. وفي معظم الحالات يكون السبب واحداً صامتاً لا يُحدث ألماً حتى يقع الكسر: هشاشة العظام. الخبر الجيد أن هذا المرض ليس قدراً محتوماً مع التقدّم في العمر، بل يمكن كشفه مبكراً والوقاية منه بخطوات عملية بسيطة. في هذا المقال أشرح لكِ، بلغة واضحة، لماذا تصبح المرأة أكثر عرضة بعد انقطاع الطمث، وكيف نحمي عظامنا.

ما هي هشاشة العظام ولماذا تُسمّى “المرض الصامت”؟

العظم ليس مادة جامدة، بل نسيج حيّ يتجدّد باستمرار: خلايا تهدم العظم القديم وأخرى تبني عظماً جديداً. عندما يختلّ هذا التوازن لصالح الهدم، تصبح العظام أقل كثافة وأكثر هشاشة وعرضة للكسر.

والمشكلة أن هذا التراجع يحدث دون أعراض في الغالب. لا ألم ولا إنذار، حتى يحدث أول كسر، غالباً في:

  • الرسغ (المعصم) بعد سقطة بسيطة.
  • الفقرات في العمود الفقري، ما يسبب نقص الطول وتقوّس الظهر.
  • عنق الفخذ (الورك)، وهو الأخطر لتأثيره على الحركة والاستقلالية.

لماذا النساء أكثر عرضة بعد انقطاع الطمث؟ دور الإستروجين

السبب الرئيسي هو هرمون الإستروجين. فهذا الهرمون الأنثوي لا يقتصر دوره على الدورة الشهرية، بل يلعب دوراً حامياً للعظم، إذ يبطّئ عملية الهدم ويحافظ على الكثافة العظمية.

عند انقطاع الطمث (سن اليأس)، ينخفض الإستروجين بشكل حاد، فيتسارع فقدان العظم في السنوات الأولى التي تلي انقطاع الدورة. لهذا تكون المرأة بعد الخمسين في مرحلة حساسة تستحق الانتباه.

عوامل خطر إضافية تستدعي اليقظة

  • التاريخ العائلي للإصابة بهشاشة العظام أو كسر الورك.
  • النحافة الشديدة وصغر بنية الجسم.
  • التدخين والإفراط في القهوة أو المشروبات الغازية.
  • قلة الحركة ونمط الحياة الخامل.
  • استعمال الكورتيزون لفترات طويلة.
  • انقطاع الطمث المبكر أو استئصال المبيضين.

الكشف المبكر: قياس كثافة العظام

أهمّ أداة لدينا هي فحص قياس كثافة العظام (Densitométrie / DEXA). وهو فحص بسيط، سريع وغير مؤلم وبأشعة ضئيلة جداً، يقيس صلابة العظم في الورك والعمود الفقري، ويعطينا قيمة تُسمّى T-score تحدّد ما إذا كانت الكثافة طبيعية، أو منخفضة قليلاً، أو وصلت إلى مرحلة الهشاشة.

أنصح عموماً بإجراء هذا الفحص:

  • لكل امرأة بعد انقطاع الطمث عند وجود عوامل خطر.
  • بعد أي كسر يحدث من سقطة بسيطة.
  • في حال العلاج المطوّل بالكورتيزون.

خلال الاستشارة في العيادة، نقيّم وضعك الشخصي، ونحدّد ما إذا كان الفحص مناسباً لكِ، ونتابع تطوّر الكثافة مع الوقت.

الكالسيوم وفيتامين د: حجر الأساس

العظم القوي يحتاج إلى مادتين أساسيتين تعملان معاً:

  • الكالسيوم: هو اللبنة الأساسية للعظم. مصادره: الحليب ومشتقاته، والأجبان، واللبن، والسردين، واللوز، والخضر الورقية الخضراء.
  • فيتامين د: ضروري لكي يمتصّ الجسم الكالسيوم. مصدره الأول هو التعرّض المعتدل لأشعة الشمس، إضافة إلى بعض الأطعمة كالأسماك الدهنية.

في منطقتنا، رغم وفرة الشمس، يبقى نقص فيتامين د شائعاً جداً بسبب قلة التعرض لها. لذلك قد أوصي ببعض الحالات بإجراء تحليل دم لفيتامين د، ووصف مكمّلات عند الحاجة، بجرعات محسوبة ومتابَعة طبياً، دون إفراط.

الوقاية من الكسور: نصائح عملية

الوقاية لا تتوقف عند الدواء، بل تشمل نمط الحياة والبيت:

قوّي عظامك وعضلاتك

  • مارسي رياضة تحمّل الوزن كالمشي يومياً والصعود على الدرج.
  • أضيفي تمارين التوازن وتقوية العضلات لتقليل خطر السقوط.
  • أقلعي عن التدخين وخفّفي من القهوة.

اجعلي بيتك آمناً ضد السقوط

  • أزيلي السجاد المنزلق والأسلاك المتناثرة.
  • وفّري إضاءة جيدة، خاصة في الممرات والحمّام.
  • استعملي مقابض الإمساك في الحمام وحذاءً ثابتاً غير منزلق.
  • راجعي نظارتك الطبية وسمعك بانتظام.

في العيادة، يساعد العلاج الطبيعي الموجَّه على تحسين التوازن وتقوية العضلات، وهو جزء مهم من خطة الوقاية، خاصة بعد كسر سابق.

متى تستشير؟

أنصحك بحجز موعد إذا:

  • بلغتِ سن انقطاع الطمث ولديكِ عوامل خطر.
  • لاحظتِ نقصاً في طولك أو تقوّساً في الظهر.
  • تعرّضتِ لـكسر بعد سقطة بسيطة.
  • كنتِ تتناولين الكورتيزون لفترة طويلة.
  • شعرتِ بـألم مستمر في الظهر دون سبب واضح.

كلّما كان التدخّل مبكراً، كانت حماية عظامك أسهل وأكثر فعالية. عظامك تستحق العناية، وخطوة واحدة اليوم قد تجنّبك كسراً مؤلماً غداً.

هذا المقال لأغراض إعلامية ولا يغني عن استشارة طبية. في حال استمرار الألم، احجز موعداً.